عبد الملك الجويني
142
نهاية المطلب في دراية المذهب
مقاتلتهم ، وقد تمهد أن قتالهم مبنيٌّ على الدفع . ومن آثار هذا الأصل أن من انهزم منهم ، لم يتبع ، ومن أثخن بالجراح ، لم يذفّف عليه ، وقال أبو حنيفة ( 1 ) : يتبع مدبرهم ويذفف جريحهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود يوماً : " يا ابن أم عبد ! أتدري ما حكم الله تعالى فيمن [ بغى من ] ( 2 ) هذه الأمة ؟ فقال : الله ورسوله أعلم . فقال عليه السلام : ألا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم ولا يقتل أسيرهم " ( 3 ) . ودخل حسين بن علي على مروان فقال له ما رأيتُ أكرم من أبيك : [ ما ولَّينا ] ( 4 ) ظهورنا يوم الجمل حتى نادى مناديه : " ألا لا يتبع مدبر ، ولا يذفّف على جريح " . ومعتمد المذهب أن القتال للامتناع ، ولا امتناع في منهزم ، ولم يصدر منه ما يوجب القتل ، ولذلك لا امتناع في مثخن . ولو انهزم البغاة في ظاهر الأمر ، وقصدُهم التحرّف للقتال ، فإن القتال قائم ، وحكمه دائم ، وإن قصدوا التحيّز إلى فئة ، فهذا مما يجب إنعام النظر فيه : فنقول : ما قدمناه من أنه لا يتبع منهزم أردنا به الأفراد إذا تبدّدوا مفلولين ، فأما إذا ولّى الجند تحت الراية ، وما انفلّوا ، ولكنهم ولّوْا ظهورهم ، فلا ينكف الإمام عنهم ، [ ولكن لا ينكأ فيهم ] ( 5 ) بالسلاح ، بل يطلبهم إلى أن يؤوبوا إلى الطاعة ، والواحد إذا انفلّ ، فقد سقطت منعته وشوكته ، واعتضاده بالجمع ، وكذلك [ لو تشتّتوا ] ( 6 ) بدداً ،
--> ( 1 ) المذهب عند الأحناف أنه يتبع المدبر ويذفف الجريح إذا كان لهم فئة يتحيزون إليها ( ر . المبسوط : 9 / 126 ، فتح القدير : 5 / 337 ، بدائع الصنائع : 7 / 140 - 141 ) . ( 2 ) في الأصل : " نفر في " والتصويب من لفظ الحديث . ( 3 ) حديث : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود يوماً : يا ابن أم عبد ، أتدري ما حكم الله . . . " رواه الحاكم ، والبيهقي من حديث ابن عمر . قال البيهقي : ضعيف ، وقال الحافظ : " في إسناده كوثر بن حكيم ، وقد قال البخاري : إنه متروك " . ( ر . مستدرك الحاكم : 2 / 155 ، السنن الكبرى : 8 / 182 ، التلخيص : 4 / 83 ح 1994 ) . ( 4 ) في الأصل : " لما ولينا " . والمثبت من ( ت 4 ) . ( 5 ) في الأصل : " ولا ينكيهم بالسلاح " . ( 6 ) في الأصل : " لو استرسلوا " .